الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
441
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
العاشق ، ويتمكَّنان فيه بحيث لا يبقى للعاشق أثر يستند إلى نفسه ، بل ليس هو حينئذ إلا فانيا في المعشوق ، بل ليس في العاشق إلا ظهور العشق أي ظهور آثار جمال المحبوب في طرف قلب العاشق . ففي الحقيقة إطلاق معنى العشق على العاشق عرضي لا ذاتي ، فإن الخلق حقيقتهم فقر محض ، فما ظهر فيهم فمنه تعالى ، فالعاشق لا يصدر منه حينئذ إلا ما هو آثار العشق الطاري عليه من المعشوق . وبعبارة أخرى : إلا آثار جمال المحبوب فتتماس حقيقة العاشق بآثار جمال المعشوق يلتذّ التذاذا ، ولا يجد معرفة له تعالى ، حينئذ لا يمكن أن يتصور أو يدرك بالحواس ولا بالعقل ، وحينئذ لا يبالي العاشق أصبح بيسر أو بعسر كما أشير إليه في المروي عنه صلَّى اللَّه عليه وآله كما تقدم ، وذلك لفنائه عن نفسه بل لا يشتهي غير الالتذاذ من جمال محبوبه كما تقدم من قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : " إنه ( أي موسى عليه السّلام ) ما أكل ولا شرب ولا نام ولا اشتهى شيئا من ذلك ، " فإن عدم اشتهائه شيئا من ذلك يدل على فنائه عن نفسه ، وعن مقتضيات الطبايع الموجودة في النفوس البشرية . فحينئذ معنى كونهم عليهم السّلام تامّين في محبة اللَّه أنهم جاوزوا حدود الآثار والأفعال والصفات بالفناء عنها ، وجاوزوا عن أنفسهم إلى أن وصلوا بكلَّهم إليه تعالى ، حتى إنهم لا يرون شيئا إلا ويرون اللَّه قبله ومعه وبعده ، وإنما بقوا في هذا الحال بقوة المحبة والعشق له تعالى ، التي ترجع إلى ظهور آثار الجمال منه تعالى ، الذي يرجع إلى جذب الأحدية بجمالها لقلوبهم المطهرة إلى النظر إلى وجهه الكريم ، فيا لها من مقام ما ألذّه وما أمتعه وما أحسنه فهم عليهم السّلام دائما مشاهدون لحضرة جماله ، وهم عنده تعالى بهذه العناية الإلهية كما تقدم الكلام فيه من قول الصادق عليه السّلام في بيان قوله تعالى : ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته 21 : 19 ( 1 ) ولذا نرى أنهم عليهم السّلام لم يبالوا بأيّ مصيبة وردت عليهم ، بل يبتهجون بها ، ولا يفرق عندهم بين المصائب والرغائب ، ولا بين الشدة والرخاء وهكذا ، وليس
--> ( 1 ) الأنبياء : 19 . .